نصر حامد أبو زيد

75

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الفصل الثالث المكي والمدني سبقت لنا الإشارة في التمهيد إلى أن التفرقة بين المكي والمدني في النص تفرقة بين مرحلتين هامتين ساهمتا في تشكيل النص سواء على مستوى المضمون أم على مستوى التركيب والبناء . وليس لذلك من دلالة سوى أن النص ثمرة للتفاعل مع الواقع الحي التاريخي . وإذا كان علم « المكي والمدني » يكشف عن الملامح العامة لهذا التفاعل ، فان علم « أسباب النزول » - الذي سنتعرض له في الفصل التالي - يكشف عن تفاصيل هذا التفاعل ، ويكاد يزودنا بالمراحل الدقيقة لتشكيل النص في الواقع والثقافة . ورغم ذلك فالخطاب الديني المعاصر لا يدرك تناقضه حين يقف إزاء هذين العلمين ، فيعترف : إن أسلوب التنجيم في نزول الشريعة يتضمن معنى الواقعية والتدرج بالانسان واعانته شيئا فشيئا عن التخلي عن الجاهلية وعاداتها المستحكمة فيه والتحلي بالاسلام وفضائل أخلاقه . وهذا المعنى يصدق في كل عملية تربوية فلا بد من التدرج في التربية والتعليم ولا بد من المقدمات لتكون النتائج ولا بد من تهيئة النفوس والعقول لمساعدتها على تقبل الأحكام الجديدة ولإعانتها على التخلص من عاداتها السيئة . فنحن نعتقد أن الإسلام دين الفطرة ، فهو ليس غريبا على النفس الانسانية ، ولكن مفعول البيئة كبير وخاصة في فترة الطفولة الأولى فقد يتطبع الطفل بأخلاق محيطه مما يجعل التحرر منها في مستقبل أيامه أمرا غير ميسور « 1 » . لكن هذا الاعتراف والتسليم - بسبب مثالية منطلقاته وطابعه الوعظي - يعود لكي يتنكر لكل المعطيات والحقائق التاريخية لكي يؤكد مفارقة ظاهرة الوحي - ومن ثم مفارقة النص - للزمان والمكان . وبما أن مصدر الوحي رباني يعلو على التاريخ والزمان والمكان ، فهو يستشرف الحقيقة

--> ( 1 ) محسن الميلي : ظاهرة اليسار الاسلامي ، ص 77 .